كيف تتغير وظيفة المصمم داخل المؤسسات العربية في عصر الذكاء الاصطناعي؟
لم يعد التصميم داخل المؤسسات محصورًا في قسم واضح يستقبل الطلبات، وينفذ المواد، ثم يرسلها للمراجعة. اليوم يستطيع موظف التسويق إعداد منشور، ومدير المبيعات بناء عرض تقديمي، وفريق الموارد البشرية تصميم حملة داخلية، بينما تتولى أدوات الذكاء الاصطناعي اقتراح النصوص والصور والتكوينات خلال دقائق.
لا يعني هذا التحول أن المؤسسة لم تعد تحتاج إلى التصميم. على العكس، أصبحت المؤسسات تنتج مواد بصرية أكثر من أي وقت مضى. لكنه يعني أن إنتاج التصميم أصبح موزعًا بين أشخاص وأدوات وأنظمة متعددة، وأن المصمم لم يعد يحتكر البرامج أو التنفيذ كما كان في السابق.
من يقرر ما الذي يجب تصميمه؟
لم يعد السؤال الحقيقي: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصمم؟
السؤال الأهم هو: من يقرر ما الذي يجب تصميمه، ولماذا، ووفق أي قواعد، وكيف نحافظ على هوية متماسكة وسط هذا الحجم المتزايد من الإنتاج؟
هنا يبدأ التحول الحقيقي في وظيفة المصمم.
التصميم خرج من قسم التصميم
في النموذج التقليدي، كانت معظم المواد تمر عبر المصمم: الإعلان، والمنشور، والعرض، والكتيب، وصفحة الهبوط، وحتى التعديلات البسيطة على الملفات.
كان هذا النموذج بطيئًا، لكنه منح فريق التصميم قدرًا كبيرًا من السيطرة على الجودة والاتساق. ثم ظهرت منصات تعتمد على القوالب، وأتاحت لغير المصممين تنفيذ نسبة متزايدة من المواد اليومية من دون العودة في كل مرة إلى متخصص.
لم يعد الأمر مقتصرًا على استبدال صورة أو تغيير عنوان داخل قالب. فقد أعلنت Canva في 2026 عن نظام يستطيع توليد تصميمات كاملة وقابلة للتحرير من تعليمات نصية، مع بناء التخطيط والتسلسل البصري وتطبيق عناصر العلامة التجارية منذ النتيجة الأولى. كما أصبح النظام قادرًا على إنشاء حملات متعددة القنوات وربط عملية الإنتاج بأدوات المؤسسة الأخرى.
وهذا يعني أن الخط الفاصل بين التفكير والتنفيذ أصبح أقل وضوحًا. فالموظف لا يختار قالبًا فقط؛ بل يصف الهدف، وتتولى الأداة بناء جزء كبير من النتيجة.
وتشير دراسة Canva لعام 2026 إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد تجربة هامشية داخل فرق التسويق، بل أصبح جزءًا من عمليات الإنتاج الإبداعي اليومية، مع اتجاه واضح نحو زيادة الاستثمار فيه.
إنتاج التصميم ليس هو اتخاذ القرار التصميمي
المشكلة أن المؤسسات كثيرًا ما تخلط بين القدرة على إنتاج مادة بصرية والقدرة على اتخاذ قرار تصميمي جيد.
أصبح إنتاج منشور يبدو جيدًا نسبيًا أمرًا سهلًا، لكن الأسئلة الأهم ما تزال أكثر تعقيدًا:
- هل تعكس المادة شخصية العلامة؟
- هل تتوافق مع الجمهور والسياق الثقافي؟
- هل تستخدم اللغة البصرية المناسبة؟
- هل الرسالة صحيحة في هذه المرحلة؟
- هل يمكن تكرار الأسلوب عبر عشرات القنوات؟
- هل يتكامل التصميم مع موقع العلامة واستراتيجيتها؟
- هل النتيجة أصلية أم نسخة أخرى من اتجاه بصري شائع؟
تستطيع الأداة إنتاج احتمالات كثيرة، لكنها لا تتحمل مسؤولية اختيار الاتجاه الصحيح. وهنا يجب التفريق بين سرعة الإنتاج وجودة الحكم.
وتشير McKinsey إلى أن الذكاء الاصطناعي يستطيع تقديم التحليل والبنية والاقتراحات، لكن الحكم الجيد والمسؤولية عن القرار يظلان من الصفات البشرية الأساسية. وهذا ينطبق على التصميم كما ينطبق على الإدارة والاستراتيجية: الأداة تعرض بدائل، لكن شخصًا ما يجب أن يختار بينها ويتحمل نتيجة الاختيار.
الأداة تنتج الاحتمالات، والمصمم يتحمل مسؤولية الاختيار
القيمة المهنية للمصمم لا تكمن فقط في قدرته على تنفيذ النتيجة، بل في فهم المشكلة، وتقييم البدائل، وربط القرار بالعلامة والجمهور والثقافة والهدف التجاري.
من المصمم المنفذ إلى مصمم النظام
قبل انتشار الأدوات السهلة، كان المصمم ينتج كل مادة تقريبًا. وبعد انتشار القوالب، تغير دوره تدريجيًا إلى بناء الأنظمة التي يستخدمها الآخرون.
بدلًا من تصميم مئة منشور، يبني المصمم:
- نظامًا للألوان.
- قواعد لاستخدام الخطوط.
- مكتبة للمكونات.
- قوالب معتمدة.
- شبكات للتكوين.
- أساليب للصور والرسوم.
- معايير للحركة.
- مستويات واضحة للموافقة والمراجعة.
هذا الانتقال ليس مجرد تغيير في الأدوات، بل تغيير في مستوى العمل. فالمصمم لا ينفذ كل نتيجة، بل يصمم البيئة التي تسمح للآخرين بإنتاج النتائج.
تعرّف Nielsen Norman Group نظام التصميم بأنه مجموعة متكاملة من المعايير والمكونات والأنماط التي تتيح إدارة التصميم على نطاق واسع، وتقليل التكرار، والحفاظ على لغة مشتركة واتساق بصري بين القنوات.
لكن وجود النظام وحده لا يكفي. فأنظمة التصميم تفشل غالبًا عندما لا يوجد شخص أو فريق مسؤول عن فرض القواعد، ومتابعة الاستخدام، والتعامل مع الاستثناءات، وتحديث النظام مع تطور المؤسسة.
وستصبح هذه النقطة أكثر أهمية مع الذكاء الاصطناعي. فبدل أن يستخدم مئة موظف القوالب، قد تنتج الأنظمة الآلية آلاف المواد، ويمكن لأي خطأ صغير في القواعد أن يتكرر على نطاق واسع.
الذكاء الاصطناعي لا يلغي الحاجة إلى الهوية؛ بل يكشف ضعفها
تعتقد بعض المؤسسات أن الذكاء الاصطناعي سيجعل بناء العلامة التجارية أقل أهمية، لأن الأدوات تستطيع إنتاج المواد بسرعة. لكن الواقع قد يكون معاكسًا.
كلما أصبحت عملية الإنتاج أسهل، أصبح من السهل أيضًا أن تنتج العلامة:
- مواد متشابهة مع المنافسين.
- صورًا بلا شخصية.
- نصوصًا صحيحة لكنها عامة.
- تصميمات جيدة منفردة لكنها غير مترابطة.
- حملات تختلف نبرتها من قناة إلى أخرى.
- مخرجات لا تنتمي إلى ثقافة الجمهور.
يرفع الذكاء الاصطناعي القدرة على الإنتاج، لكنه لا يمنح المؤسسة تلقائيًا شخصية أو موقفًا أو ذاكرة بصرية.
وتشير دراسات Canva إلى أن نسبة كبيرة من الجمهور تستطيع التعرف إلى الإعلانات المنتجة بالذكاء الاصطناعي بسبب شعور بأن شيئًا ما ينقصها، بينما يرى معظم المشاركين أن أفضل الإعلانات لا تزال تحتاج إلى لمسة بشرية.
وفي الاتجاه نفسه، يضع تقرير Adobe للاتجاهات الإبداعية لعام 2026 الأصالة والاتصال الإنساني في قلب المشهد البصري، مشيرًا إلى أن الجمهور يبحث عن أعمال تبدو أكثر إنسانية في بيئة آلية ومتخمة بالمحتوى.
لماذا تبدو كثير من المخرجات الآلية متشابهة؟
تتعلم النماذج التوليدية من كميات هائلة من الأعمال الموجودة، ثم تنتج نتائج مبنية على الأنماط التي تعلمتها. ولذلك فهي قوية في الوصول إلى ما يبدو مقبولًا أو مألوفًا أو قريبًا من الاتجاه السائد.
لكن العلامة القوية لا تُبنى دائمًا من الحل الأكثر شيوعًا. أحيانًا تحتاج إلى قرار يبدو أقل مثالية، لكنه أكثر صدقًا وتميزًا واتصالًا بتاريخها وجمهورها.
ويرى خبير العلامات التجارية والتصميم العربي نهاد ندم أن الذكاء الاصطناعي سيختصر كثيرًا من الوقت ويقدم أدوات قوية، لكنه لا يعرف وحده كيف يبني هوية يشعر بها المتلقي.
وفي قراءته لعودة اللمسة البشرية في تصميم الشعارات، يربط نهاد قيمة الهوية بوجود إنسان يفكر ويختار ويعبّر، معتبرًا أن الأصالة ستصبح أكثر قيمة في سوق مزدحمة بالمخرجات الآلية.
الوضع أكثر تعقيدًا في السوق العربي
قد تنتج الأداة العالمية تصميمًا مقبولًا باللغة الإنجليزية، لكنها تواجه طبقات إضافية عندما تنتقل إلى الأسواق العربية.
فالتصميم العربي لا يتعلق بترجمة النص ووضعه من اليمين إلى اليسار فقط، بل يتصل بعوامل متعددة، منها:
- بنية الحرف العربي واتصاله.
- اختيار الخط المناسب للسياق.
- اختلاف النبرة بين العربية الفصحى واللهجات.
- العلاقة بين الهوية العربية والهوية العالمية.
- الفروق الثقافية بين أسواق الخليج ومصر والمشرق والمغرب العربي.
- حساسية الرموز والدلالات الدينية والاجتماعية.
- جودة الترجمة البصرية، لا اللغوية فقط.
- التوازن بين النص العربي واللاتيني داخل الهوية الثنائية.
لا تظهر هذه التفاصيل دائمًا في الأمر النصي الذي يكتبه المستخدم، ولا يستطيع النموذج استنتاجها بدقة من دون قواعد واضحة ومراجعة متخصصة.
ولهذا قد تصبح قيمة المصمم العربي أقل ارتباطًا بقدرته على تشغيل البرنامج، وأكثر ارتباطًا بقدرته على منع الخطأ الثقافي.
ماذا سيحدث للوظائف التنفيذية؟
يجب أن نكون واضحين: بعض وظائف التصميم ستتعرض لضغط حقيقي.
تشمل الفئات الأكثر تعرضًا:
- تنفيذ منشورات التواصل اليومية.
- تغيير أحجام الإعلانات.
- إعادة تنسيق العروض.
- إنتاج نسخ متعددة من المادة نفسها.
- معالجة الصور البسيطة.
- بناء الصفحات الأولية.
- إعداد نماذج التصميم السريعة.
- الأعمال التي تعتمد على قوالب متكررة.
هذه المهام لن تختفي بالكامل، لكنها ستحتاج إلى وقت أقل وعدد أقل من الأشخاص.
ويضع تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي مصممي الجرافيك بين الوظائف التي يُتوقع أن تتعرض للانخفاض مع انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى ارتفاع أهمية التفكير الإبداعي والتحليلي، والمرونة، والمهارات التقنية، والتعلم المستمر.
وهذا لا يعني أن المصمم سيختفي كفئة واحدة، بل يعني أن السوق سيفصل بصورة أقسى بين من يقدم تنفيذًا يمكن أتمتته، ومن يقدم حكمًا واستراتيجية ونظامًا وخبرة يصعب اختزالها في أمر نصي.
مشكلة المصممين المبتدئين
هناك أثر آخر أقل وضوحًا: الأعمال البسيطة التي ستؤتمت كانت تاريخيًا نقطة دخول المصممين إلى المهنة.
كان المصمم المبتدئ يبدأ بتنسيق المنشورات، وتصحيح الملفات، وتغيير المقاسات، وتجهيز العروض، ثم يتعلم تدريجيًا من الاحتكاك بالمشروعات والمصممين الأكثر خبرة.
عندما تختفي هذه الطبقة، لا تختفي الأعمال الأقل قيمة فقط؛ بل يختفي معها جزء من السلم المهني.
هذه ليست حجة ضد الأتمتة، لكنها مشكلة يجب أن تعالجها الاستوديوهات والجامعات والمؤسسات. فلا يمكن مطالبة المصمم المبتدئ بأن يصبح استراتيجيًا أو مدير نظام تصميم من اليوم الأول، من دون توفير مسار جديد للتعلم.
قد يصبح التدريب المستقبلي قائمًا بصورة أكبر على:
- تحليل القرارات التصميمية.
- مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي.
- بناء الأنظمة.
- البحث وفهم المستخدم.
- التوثيق.
- التوطين الثقافي.
- اختبار الاتساق.
- العمل ضمن فرق متعددة التخصصات.
كيف يتعلم المصمم عندما تختفي المهام التي كان يبدأ بها؟
تحتاج الجامعات والاستوديوهات إلى إعادة بناء مسار التدريب المهني، بحيث لا يعتمد فقط على تنفيذ المهام البسيطة، بل على المراجعة والتحليل وبناء الأنظمة وفهم القرارات التي تقف خلف النتيجة.
الأدوات تتغير أسرع من المسميات الوظيفية
تظهر أبحاث Figma أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا متزايدًا من عمل المصممين والمطورين. وقد وجدت الشركة في تقريرها لعام 2025 أن الفرق باتت تدمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها وتعيد التفكير في المبادئ والممارسات المرتبطة بتصميم المنتجات الوكيلة.
كما أشارت تقارير Figma إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح واسعًا بين المصممين، وأن التعامل معه بات من المهارات المطلوبة في السوق.
لكن تعلم الأداة وحده لن يصنع ميزة طويلة الأجل. فالأدوات تتغير بسرعة، وما يُعد مهارة متقدمة اليوم قد يتحول إلى وظيفة تلقائية بعد أشهر.
الميزة الأهم هي القدرة على فهم:
- ما المشكلة التي تستحق الحل؟
- ما المعلومة التي يجب أن تدخل النظام؟
- ما القرار الذي لا ينبغي تفويضه؟
- كيف نقيس جودة النتيجة؟
- متى يكون الاتساق ضروريًا؟
- متى يكون الخروج عن القاعدة هو القرار الصحيح؟
- من يوافق على المخرجات ويتحمل مسؤوليتها؟
هذه هي المنطقة التي ينتقل إليها عمل المصمم.
المؤسسات تحتاج إلى حوكمة التصميم لا إلى مزيد من الملفات
تملك بعض المؤسسات دليلًا للهوية، ومكتبة قوالب، وملفات منظمة، لكنها لا تملك حوكمة فعلية.
الحوكمة تعني تحديد:
- من يملك النظام؟
- من يحدّثه؟
- من يعتمد الاستثناءات؟
- كيف تضاف المكونات الجديدة؟
- ما الأدوات المسموح باستخدامها؟
- ما نوع البيانات التي يمكن إدخالها إلى أدوات الذكاء الاصطناعي؟
- كيف تراجع المخرجات؟
- متى يحتاج العمل إلى مصمم متخصص؟
- ما الذي لا يجوز توليده آليًا؟
هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، بل تتعلق بالعلامة والمسؤولية والمخاطر.
وتوضح Nielsen Norman Group أن نضج نظام التصميم يرتبط بالبنية والسياسات ومسارات العمل التي تحدد كيف يعمل النظام ويتطور، وليس بعدد مكوناته فقط.
لذلك قد نرى مستقبلًا وظائف أكثر وضوحًا في مجالات مثل:
- حوكمة التصميم.
- إدارة أنظمة الهوية.
- الإشراف الإبداعي على الذكاء الاصطناعي.
- توطين العلامات بصريًا وثقافيًا.
- إدارة جودة المخرجات التوليدية.
- بناء مكتبات البيانات والأساليب الخاصة بالعلامة.
- مراجعة حقوق الاستخدام والأصالة.
المصمم القادم ليس منفذًا فقط ولا منظّرًا فقط
هناك خطر في الاتجاه المعاكس أيضًا: أن يتحول المصمم إلى شخص يتحدث عن الاستراتيجية من دون أن يمتلك حسًا بصريًا أو معرفة بالحرفة.
لا يقلل الذكاء الاصطناعي أهمية الحرفة، بل قد يجعلها أكثر وضوحًا، لأن السوق سيمتلئ بأعمال تبدو جيدة من النظرة الأولى لكنها تفتقر إلى التفاصيل الدقيقة والاتساق والتميّز.
مستوى الحرفة
فهم التكوين، والخط، واللون، والتسلسل البصري، والطباعة، والحركة، والصورة، والواجهات، والتفاصيل التنفيذية.
مستوى النظام
فهم العلامة، والاستراتيجية، والمستخدم، والحوكمة، والأدوات، وسير العمل، والبيانات، وقياس الجودة.
من يمتلك المستوى الأول فقط قد يتحول إلى منفذ أسرع بمساعدة الذكاء الاصطناعي، لكنه سيبقى معرضًا للمنافسة السعرية.
ومن يمتلك المستوى الثاني فقط من دون حرفة قد ينتج أنظمة صحيحة نظريًا لكنها ضعيفة بصريًا.
القيمة الحقيقية ستكون في الجمع بين الاثنين.
أين أصبح التصميم الآن؟
أثار مقال نشره Design Week سؤالًا مهمًا حول الموقع الذي يشغله التصميم بعد انتقاله من الفرق المتخصصة إلى القوالب، ثم إلى غير المصممين، وأخيرًا إلى النماذج التوليدية.
ويقترح المقال أن التصميم أصبح موزعًا بين أنظمة يبنيها المصممون، وأشخاص يستخدمون الأدوات، ونماذج تنفذ جزءًا متزايدًا من العمل.
لكن في المؤسسات العربية، يجب إضافة مكان رابع:
التصميم يعيش أيضًا داخل الثقافة.
إنه موجود في اللغة، وفي الذاكرة البصرية، وفي معنى الرموز، وفي علاقة الجمهور بالمكان والدين والتاريخ والمجتمع.
تستطيع الأداة تعلم النمط، لكنها لا تعيش السياق. ولهذا سيظل هناك دور لمن يفهم أن الحل المناسب في دبي ليس بالضرورة مناسبًا في الدوحة أو الرياض أو القاهرة، وأن تعريب العلامة ليس مجرد إضافة نسخة عربية من الاسم.
ما الذي يجب أن يفعله المصمم الآن؟
المطلوب ليس مقاومة الأدوات، ولا استخدامها بلا تفكير.
المطلوب هو الانتقال من سؤال: «كيف أنفذ هذه المادة؟» إلى مجموعة أسئلة أوسع:
لماذا ننتجها؟ ومن سيستخدمها؟ وما القاعدة التي تحكمها؟ وكيف نكررها من دون فقدان الهوية؟ وما الجزء الذي يمكن تفويضه للأداة؟ وما الجزء الذي يحتاج إلى قرار بشري؟
عمليًا، يحتاج المصمم إلى تطوير قدراته في:
- استراتيجية العلامة.
- بناء أنظمة التصميم.
- التوجيه الإبداعي.
- تقييم المخرجات التوليدية.
- كتابة التعليمات والقيود للأدوات.
- فهم البيانات وسير العمل.
- التوطين الثقافي واللغوي.
- إدارة الجودة والاتساق.
- عرض قيمة التصميم بلغة الإدارة والأعمال.
المصمم الذي يستطيع شرح تأثير قراراته على الثقة، والكفاءة، والتميّز، وتكلفة الإنتاج، سيكون أكثر قيمة من المصمم الذي لا يستطيع سوى عرض النتيجة النهائية.
التصميم لن يختفي، لكن جزءًا من المهنة سيختفي
القول إن الذكاء الاصطناعي لن يؤثر في وظائف التصميم مجرد طمأنة غير واقعية، والقول إنه سيقضي على المصممين جميعًا تبسيط ساذج للمشكلة.
الأقرب إلى الواقع هو أن التنفيذ المتكرر سيتجه إلى الأتمتة، والإنتاج اليومي سينتقل إلى غير المصممين، بينما ستزداد قيمة الحرفة المتخصصة، والاستراتيجية، والحوكمة، والحكم الثقافي.
التصميم لم يعد يعيش في برنامج أو قسم أو وظيفة واحدة. لقد أصبح موزعًا في المؤسسة، وفي الأدوات، وفي البيانات، وفي القواعد التي تضبط الإنتاج.
لكن المسؤولية عن المعنى لا يمكن أن تبقى موزعة بلا صاحب. وهنا تحديدًا يبدأ دور المصمم الجديد.
المصادر
- Design Week: Where does design reside now?
- Figma: AI Report 2025
- Figma: أدوات الذكاء الاصطناعي والتصميم
- Canva: State of Marketing and AI Report 2026
- Canva: أدوات إنشاء التصميم بالذكاء الاصطناعي
- Nielsen Norman Group: Design Systems 101
- Nielsen Norman Group: حوكمة أنظمة التصميم
- Nielsen Norman Group: نضج أنظمة التصميم
- المنتدى الاقتصادي العالمي: تقرير مستقبل الوظائف 2025
- Adobe: اتجاهات الإبداع لعام 2026
- McKinsey: الحكم البشري والعمل في عصر الذكاء الاصطناعي
- نهاد ندم: عودة اللمسة البشرية في تصميم الشعارات
