هوية متحف زايد الوطني: كيف تحولت قصة الإمارات إلى نظام بصري متكامل؟
عندما تكون المؤسسة هي المتحف الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، لا تعود مهمة الهوية البصرية مجرد تصميم شعار مناسب لمبنى ثقافي. المطلوب هو بناء لغة تستطيع تمثيل تاريخ دولة، وقصة اتحاد، وإرث مؤسسها، وفي الوقت نفسه العمل داخل مؤسسة معاصرة تستقبل جمهورًا محليًا ودوليًا وتتحدث بالعربية والإنجليزية.
كانت هذه نقطة الانطلاق أمام Bruce Mau Design عند تطوير استراتيجية العلامة والهوية البصرية لمتحف زايد الوطني، بالتعاون مع دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي. والنتيجة لم تعتمد على رمز إماراتي مباشر أو زخرفة تراثية كثيفة، بل على نظام مجرد يقوم على فكرة جمع الإمارات وتواريخها ومساراتها المتعددة في مكان واحد.
الجهات المشاركة في المشروع
- اسم المشروع
- متحف زايد الوطني — Zayed National Museum
- المؤسسة
- المتحف الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة
- الموقع
- المنطقة الثقافية في السعديات، أبوظبي، الإمارات
- استراتيجية العلامة والهوية البصرية
- Bruce Mau Design
- الجهة المشرفة
- دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي
- التصميم المعماري
- Foster + Partners
- مساحات داخلية وأثاث وتنسيق مختار
- Agata Kurzela Studio
- التجربة الرقمية الموثقة
- Create Group، وفريق UX/UI المذكور في دراسة الحالة المنشورة لدى Olu Dada
- إعلان الهوية
- 28 يونيو 2024
- افتتاح المتحف للجمهور
- 3 ديسمبر 2025
المتحف الوطني: هوية تحمل أكثر من اسم مؤسسة
يعرّف متحف زايد الوطني نفسه بوصفه المتحف الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة. وهو مكرس لسرد تاريخ الدولة، وثقافتها، وقصص مجتمعاتها، إلى جانب حياة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وإرثه والقيم المرتبطة بتأسيس الاتحاد.
ويضم المتحف ست صالات عرض دائمة، ومساحة للمعارض المؤقتة، إلى جانب معرض خارجي وبرامج تعليمية وثقافية. لذلك لا تعمل الهوية لمجموعة أثرية محدودة أو لبرنامج معارض متغير فقط، بل لمؤسسة وطنية تجمع التاريخ والذاكرة والتعليم والبحث والتجربة العامة.
هذا الدور يرفع صعوبة المهمة. فالهوية يجب أن تكون رسمية بما يكفي لتمثيل مؤسسة وطنية، لكنها لا ينبغي أن تبدو كهوية جهة إدارية. ويجب أن تحمل معنى تاريخيًا، من دون أن تتحول إلى مجموعة من الرموز التراثية المباشرة.
الاستراتيجية قبل الشعار
توضح دراسة Bruce Mau Design أن المشروع بدأ بتطوير منصة للعلامة، وتموضعها، ونبرتها، وسرديتها، قبل بناء الهوية البصرية وتطبيقاتها.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن العلامات الثقافية الكبرى لا تُبنى عادة من رسم شعار أولًا ثم محاولة اختراع قصة تبرره. بل تبدأ من تحديد وظيفة المؤسسة، والجمهور الذي تتحدث إليه، والقيمة التي تمثلها، وكيف تريد أن تُفهم محليًا ودوليًا.
ومن هذه العملية ظهرت الفكرة الاستراتيجية المركزية: نسج الإمارات وتواريخها المتعددة في مكان واحد.
الاتحاد بوصفه عملية التقاء، لا رمزًا جاهزًا
لا تعتمد العلامة على خريطة الدولة أو العلم أو عدد صريح من العناصر يمثل الإمارات السبع. بل تحوّل مفهوم الاتحاد إلى سلوك بصري: مسارات وكتل كتابية مختلفة تلتقي داخل بناء واحد.
الشعار لا يصور الاتحاد… بل يمارسه
يمكن قراءة بناء الشعار بوصفه مجموعة من المسارات التي تأتي من جهات مختلفة، ثم تتقاطع وتتصل لتكوين علامة واحدة. هذه القراءة تتوافق مع تفسير Bruce Mau Design المعلن حول النسج والترابط والجمع.
أهمية هذا القرار أنه لا يحاول رسم الإمارات حرفيًا، ولا يختزل الدولة في أيقونة واحدة. وهو يحول المعنى الوطني من رمز مباشر إلى علاقة بين العناصر.
هذا التجريد يمنح الهوية أيضًا قدرة أكبر على العمل عبر أحجام ووسائط مختلفة. فالعلامة التي لا تعتمد على تفاصيل تصويرية دقيقة يمكن استخدامها على التذكرة، والواجهة، والمطبوعات، والحقائب، والشاشات، من دون فقدان بنيتها.
العربية والإنجليزية داخل علامة واحدة
يصف Bruce Mau Design المشروع بأنه نظام هوية ثنائي اللغة بالكامل. وهذه نقطة أساسية في هوية مؤسسة إماراتية، وليست مجرد متطلب تقني لإضافة ترجمة إنجليزية إلى الاسم العربي.
في كثير من الهويات الثنائية، تُعامل إحدى اللغتين باعتبارها النسخة الأساسية، ثم تضاف الأخرى بحجم أصغر أو في مساحة منفصلة. أما هنا فتدخل العربية والإنجليزية في بناء مشترك، مع احتفاظ كل لغة باتجاه قراءتها الطبيعي.
العربية تتحرك من اليمين إلى اليسار، والإنجليزية من اليسار إلى اليمين، بينما يلتقي التكوينان بصريًا في المركز. ويمكن قراءة هذه العلاقة باعتبارها امتدادًا لفكرة الهوية نفسها: اتجاهات مختلفة تتقابل من دون أن تفقد خصوصيتها.
هذا التفسير قراءة نقدية لبنية الشعار، وليس اقتباسًا حرفيًا من المصمم. أما ما تؤكده دراسة المشروع رسميًا فهو أن النظام ثنائي اللغة وأن فكرته الأساسية تقوم على النسج والترابط.
هوية هادئة أمام عمارة شديدة الحضور
تختلف لغة الهوية البصرية عن لغة المبنى الذي صممه Foster + Partners . فالعمارة أيقونية وضخمة، وتتميز بخمس منشآت فولاذية مرتفعة ترتبط بالتكوين البيئي للمبنى وتستحضر أجنحة الصقر ضمن التفسير المعماري الرسمي.
من الضروري هنا عدم الخلط بين العمارة والهوية: استلهام الصقر موثق في وصف المبنى، لكنه ليس تفسيرًا معلنًا لشعار Bruce Mau Design.
العلاقة بين النظامين قائمة على التباين أكثر من التشابه. المبنى يحمل قوة نحتية واضحة ويهيمن على المشهد، بينما تتراجع الهوية البصرية خطوة إلى الخلف لتعمل بوصفها إطارًا منظمًا للمحتوى.
ولو حاول الشعار منافسة المبنى برمز معقد أو زخرفة قوية، لأصبح المشروع مزدحمًا بمركزين بصريين يتنافسان على الانتباه. هدوء الهوية هنا ليس ضعفًا، بل قرار يترك للعمارة والقطع والتاريخ مساحة الحضور الرئيسية.
اللون والطباعة والصورة: الهوية كنظام متكامل
لا تتوقف دراسة Bruce Mau Design عند الشعار، بل تتناول لوحة الألوان، والطباعة، والأسلوب الفوتوغرافي، والأيقونات، والإرشادات المكانية، وتطبيق النظام على المواد المطبوعة والرقمية.
لا تسمي المصادر المنشورة التي راجعناها الخطوط المستخدمة بصورة واضحة، كما لا تنشر قيم الألوان الرقمية كاملة. لذلك لا يصح افتراض أسماء الخطوط أو درجات الألوان اعتمادًا على الصور وحدها.
ما يمكن ملاحظته هو أن النظام يعتمد على الفراغ، والتباين الواضح، والترتيب الهادئ، وتقليل العناصر الزخرفية. وتؤدي الصور والقطع التاريخية الدور التعبيري، بينما توفر الهوية الهيكل الذي ينظمها.
من التذكرة إلى اللوحة الإعلانية
يظهر النظام في تطبيقات متعددة تشمل التذاكر، والمطبوعات، والملصقات، والحقائب، واللوحات الإعلانية، والمواد الثقافية والترويجية.
ويكشف هذا الانتقال ما إذا كانت العلامة نظامًا حقيقيًا أم مجرد شعار ناجح داخل دراسة الحالة. فالمتحف يحتاج إلى لغة تعمل على قطعة صغيرة يحملها الزائر، وعلى لوحة كبيرة في المدينة، وفي صفحة تحريرية مليئة بالمعلومات.
بساطة البناء تسمح بتغيير الصورة والحجم واللون مع بقاء العلاقة بين المكونات قابلة للتعرف. وهذا أكثر أهمية لمؤسسة ذات برنامج مستمر من وجود تطبيق واحد مثير بصريًا لكنه صعب التكرار.
المعارض المؤقتة: نظام يتغير من دون أن يتفكك
من أكثر جوانب المشروع ذكاءً النظام المخصص للمعارض المؤقتة. توضح Bruce Mau Design أن الألوان الإضافية لهذه المعارض يمكن أن تُستمد من القطع أو المواد المرتبطة بالمعرض نفسه.
يحل ذلك معادلة متكررة في هويات المتاحف. فإذا استخدمت جميع المعارض ألوان المؤسسة الرئيسية، ستبدو البرامج متشابهة مهما اختلف محتواها. وإذا مُنح كل معرض حرية كاملة، قد تفقد المؤسسة اتساقها.
الحل هو تثبيت بنية النظام، مع السماح للون بأن يأتي من موضوع المعرض. وبذلك يصبح المحتوى نفسه مصدرًا للتنوع، من دون الحاجة إلى ابتكار هوية مستقلة تمامًا لكل فعالية.
هوية الأطفال: نبرة مختلفة من العائلة نفسها
طور Bruce Mau Design هوية فرعية موجهة إلى الأطفال، تُستخدم في الأنشطة والمواد التعليمية والهدايا والمنتجات المخصصة للجمهور الأصغر.
نجاح الهوية الفرعية لا يقاس بمدى اختلافها عن الهوية الأساسية، بل بقدرتها على تغيير النبرة مع الاحتفاظ بصلة واضحة بالنظام الأم. فالطفل والباحث والسائح يجب ألا يشعروا بأنهم يتعاملون مع ثلاث مؤسسات مختلفة.
هذا النوع من التوسع يكشف مرونة الهوية أكثر من التطبيقات الرسمية؛ لأنه يختبر قدرتها على أن تصبح أكثر حيوية وودًا من دون فقدان بنيتها.
من الورق إلى الشاشة: التجربة الرقمية
لا ينبغي نسبة تصميم الموقع أو تجربة المستخدم إلى Bruce Mau Design من دون مصدر يؤكد ذلك. دراسة الحالة المنشورة لدى Olu Dada تنسب التجربة الرقمية الموثقة إلى Create Group وفريق UX/UI المذكور في الدراسة.
تصف الدراسة الحضور الرقمي للمتحف بأنه تجربة هادئة وغامرة، تعتمد على البساطة، والمساحات البيضاء، والتنظيم الواضح، والسرد البصري.
وهذا انتقال منطقي للهوية. فليس مطلوبًا أن تكرر الواجهة شكل الشعار في كل زر أو حركة حتى تبدو متسقة. يمكن نقل الشخصية عبر الفراغ، والإيقاع، والتراتب، وحجم الصور، وكيفية ظهور المحتوى.
الفرق هنا هو الفرق بين استخدام العلامة وتطبيق مبادئ النظام.
الهوية البصرية ليست التجربة المكانية كلها
يجب التمييز كذلك بين تصميم العلامة والتصميم الداخلي. فالهوية البصرية من تطوير Bruce Mau Design، بينما عمل Agata Kurzela Studio على مجموعة محددة من المساحات الداخلية والأثاث والتنسيق التصميمي، ضمن نطاق تبلغ مساحته قرابة 3,000 متر مربع بحسب دراسة الاستوديو.
تشمل هذه الأعمال عددًا من المجالس والمساحات الاجتماعية والاجتماعات، ومكتبة البحوث، ونظام جلوس معياريًا في الليوان، إلى جانب قطع أثاث مخصصة وأعمال تنسيق واختيار.
ولا يعني ذلك أن الاستوديو صمم جميع صالات العرض أو كامل التصميم الداخلي للمتحف. المشروع شبكة من تخصصات وجهات مختلفة، لكل منها نطاق ومسؤولية.
المواد والحرفة المحلية تعيدان الحضور الثقافي إلى المكان
إذا كانت الهوية البصرية متحفظة في استخدام الرموز التراثية المباشرة، تسمح المساحات الداخلية بحضور الثقافة بطريقة أكثر حسية من خلال المادة، والملمس، والأثاث، والضوء، والحرفة.
تشرح Agata Kurzela Studio اعتمادها على مواد وإشارات مرتبطة بالبيئة والثقافة المحلية، من بينها الصوف والجلد والخشب والمعادن، إلى جانب تطوير نماذج واختبارات بالتعاون مع ورش وحرفيين محليين وإقليميين.
وهذه العلاقة توضح أن الشعار لا يحتاج إلى حمل القصة كلها. ما لا تقوله العلامة مباشرة يمكن أن يقوله المكان عبر المادة والرائحة والضوء وتجربة الجلوس والحركة.
المصممون الإماراتيون داخل التجربة
تسلط تقارير Wallpaper* و Identity الضوء على مشاركة مصممين وفنانين إماراتيين في تشكيل عدد من المساحات الداخلية والأعمال والأثاث.
وتضم الأسماء المذكورة في المصادر: الجود لوتاه، وعمر القرق، وعبدالله الملا، ولطيفة سعيد، وعفراء الظاهري، وجمعة الحاج، وروضة الشامسي، وعليا الغفلي، وخالد شفر، إلى جانب حرفيين وجهات تصنيع محلية وإقليمية.
أهمية هذه المشاركة أنها لا تضع الثقافة المحلية داخل المعروضات فقط، بل تجعل المصممين المحليين جزءًا من عملية تكوين المكان الذي يعرض تلك الثقافة.
هل نجح التجريد في تمثيل هوية وطنية؟
أهم ما نجحت فيه هوية متحف زايد الوطني هو ضبط النفس. كان من السهل بناء النظام حول الصقر، أو الخريطة، أو ألوان العلم، أو زخرفة إسلامية، أو رمز تراثي واضح. لكن ذلك كان سيجعل المؤسسة تشرح انتماءها قبل أن يختبر الزائر تاريخها ومحتواها.
اختار Bruce Mau Design حلًا أكثر مؤسساتية: الاتحاد موجود في بناء العلامة وعلاقة عناصرها، لا في رسم رمز مباشر. والعربية ليست إضافة إلى الإنجليزية، بل جزء أصيل من التكوين.
كما ينجح النظام في عدم منافسة العمارة والمجموعات المتحفية. فهو يترك المحتوى التاريخي والصور والقطع والمواد المحلية تقدم التفاصيل، بينما يتولى تنظيمها وربطها.
هل أصبحت الهوية محايدة أكثر مما ينبغي؟
تفتح نقاط القوة نفسها سؤالًا نقديًا مشروعًا. فعند فصل الشعار عن اسم المتحف، وعن العمارة، والصور، واللغة العربية، قد لا يكون من السهل على المشاهد غير المطلع أن يقرأ فيه الإمارات تحديدًا.
مفهوم النسج ذكي، لكنه مفهوم عالمي أيضًا، ويمكن استخدامه لمؤسسات أخرى تتحدث عن التعدد أو الاجتماع أو الترابط.
لا يعني ذلك أن الحل غير مناسب، لكنه يعني أن الشخصية الإماراتية لا تقع بكامل وزنها على الشعار وحده. إنها موزعة على النظام الأكبر: اللغة العربية، والمحتوى، والعمارة، والمواد، والمصممين المحليين، وطريقة سرد التاريخ.
قد يرى البعض أن العلامة كانت تحتاج إلى إشارة محلية أكثر وضوحًا. لكن يمكن قراءة الحياد بوصفه قرارًا واثقًا أيضًا: المتحف الوطني لا يحتاج إلى وضع جميع رموزه الوطنية داخل الشعار لكي يثبت هويته.
فالهوية الوطنية هنا لا تُختزل في أيقونة واحدة، بل تتكون من التقاء اللغة، والتاريخ، والعمارة، والمادة، والحرفة، والذاكرة الجماعية داخل تجربة واحدة. وبهذا تصبح فكرة «النسج» وصفًا مناسبًا للمشروع كله، لا للشعار وحده.
المصادر
- Bruce Mau Design — دراسة استراتيجية العلامة والهوية البصرية
- Bruce Mau Design — إعلان إطلاق الهوية في 28 يونيو 2024
- الموقع الرسمي لمتحف زايد الوطني
- Foster + Partners — دراسة المشروع المعماري
- Foster + Partners — اكتمال متحف زايد الوطني
- Agata Kurzela Studio — المساحات الداخلية والأثاث والتنسيق
- Olu Dada — دراسة التجربة الرقمية للمتحف
- Wallpaper* — التصميم الداخلي ومشاركة المصممين الإماراتيين
- Identity — قراءة في المساحات الداخلية
- Brand New — توثيق إطلاق هوية متحف زايد الوطني
حقوق الصور: استُخدمت الصور المصغرة في هذا المقال لأغراض التغطية الصحفية والنقد والتحليل البصري لمشروع متحف زايد الوطني. وتعود حقوق الصور والتصاميم والمواد المعروضة إلى أصحابها، والجهات المنتجة، والمصورين والمصادر الأصلية المنسوبة في التعليقات والمراجع. لا تدّعي TASMEEM.NEWS ملكية هذه المواد.
لتحديث نسبة أي صورة، أو طلب تعديلها أو إزالتها، يرجى التواصل معنا عبر صفحة التواصل.
